السيد كمال الحيدري

119

الإنسان بين الجبر والتفويض

ما يلفت النظر على هذا الصعيد أنّ الروايات الكريمة تعبّر عن الخيار الثالث بأنّه أوسع ممّا بين السماء والأرض ، لكسر الوهم الذي يعيشه السامع وذهنه يتردّد بين الجبر والتفويض وكأنّهما وحدهما اللذان يملآن الساحة ولا شيء آخر غيرهما . عندما تتحدّث النصوص الروائية عن منزلة ثالثة هي أوسع ممّا بين السماء والأرض ، فإنّما تهدف أن تطيح بعنف بذلك الاستقطاب الوهمي بين الجبر والتفويض وتفتح عقل الإنسان المسلم على آفاق رحيبة لخيار ثالث خارج دائرة ذلك الاستقطاب الثنائي . لقد مرّ ما يؤكّد هذا المعنى في الروايات السابقة ، ويمكن إضاءته أكثر بالمزيد . من ذلك ما في صحيحة هشام وغيره ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : « إنّا لا نقول جبراً ولا تفويضاً » « 1 » ، فليست القضية إذن حصرية بين الجبر والتفويض ، وإلّا لما نفى الإمام كلا القولين ، ففي النفي علامة على مسار آخر . وقد جاء في نصوص أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : « لا جبر ولا تفويض » « 2 » ، وفي بعضها الآخر : « لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين » « 3 » .

--> ( 1 ) الأمالي ، للشيخ الصدوق ، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة ، قم ، 1417 ه - : ص 168 ؛ بحار الأنوار ، مصدر سابق ، ج 5 ، ص 4 ، ح 1 . ( 2 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 17 ، ح 28 . ( 3 ) المصدر السابق : ح 27 ، ص 11 ، ح 18 أصول الكافي : ج 1 ، ص 160 ، ح 13 .